عندما بدأت تسطير هذه الكلمات عادت بي الذكرى إلى عقد أو اثنين وشيئ من الآخر، عندما كان هم اللغة العربية في موريتانيا ريشة في مهب رياح كثيرة، وكلمة تتقاذفها الشفاه رميا بالقصور وتراميا بالمسؤولية عن التقصير.
كان الأمل في أن هذه اللغة معقود بنواصي حروفها الخير وألوية البقاء كبيرا جدا، وخصوصا في قلوب مؤمنة تردد \"إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون\" وكان الألم مما هي في من بأساء وانتهاك حرمة وذبول حرقة فؤاد ولهيب أسى.
كنا مجموعات متعددة، نتلاقى فنتذاكر شأن اللغة العربية ويبث بعضنا بعضا الشكوى من حالها نتواصى على الدعاء لها بل لنا بخدمتها
إلى أن كان منتصف العام 1994 ميلادية، حيث نال أستاذنا الكريم شيخ العربية وابن بجدتها الشيخ عبد الرحمن بن محمد ترخيص معهد تعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها ونشر العلوم الإسلامية،من قبل وزارة الثقافة والتوجيه الإسلامي تحت رقم 206 و ت ث إ بتاريخ 31/08/1994م، وقد بدأ العمل فعليا سنة 1997م، معلنا بذلك الوجود القانوني لمؤسسة أهلية غير ربحية شعارها : يأيها الناس إنا خلقنكم من ذكر وأنثى وجعلنكم شعوبا وقبائل لتعارفوا
وجاء الترخيص كثوب يوسف ألقاه على العيون الحائرة فارتدت بصيرة فعلى الأقل قد استبان السبيل ولاحت المعالم ولم يبق إلا الجهد والانطلاقة.
عبرة المسير
كان علينا أن نصبر ثلاث حجج قبل أن نكتب السطر الأول في مسيرة المعهد، كانت نوازع الفتنة العرقية التي شب لظاها في نهاية العقد الثامن وبداية التاسع من القرن المنصرمة لا تزال مشبوبة ينفخ فيها أفواه متعددة تتساقى كؤوس التنابز العرقي بعد أن تساقت الموت الزؤام، وخط الدم والدمع بين شرائح الشعب الموريتاني خطا مريرا، وفاح عطر منشم، لا أذكى الله له ريحا بين الفئات الاجتماعية
وللخروج من هذه القتام وفي ظل حبل طموح ممتد إلى السماء وعين بصيرة بالهدف ويد قصيرة الإمكانات، انطلق المعهد بفصل واحد وأستاذ واحد وستة طلاب، كان ذلك الفصل قسما للدراسة في النهار وغرفة نوم للأستاذ في الليل.
واستمرت المسيرة تخطو بهدوء وتوأدة، نحو ضفة الهدف المرصود، ولم تكن الضفة على كل حال مستعدة كما هي الآن لتقبل رسالتنا فقد آثر عدد كبير من مشايخها وعلمائها أن يعيدوا قراءة الشريعة والقرآن بلسانهم أو بما تيسر من العربية ولكن عبر ألسنة أبنائهم، فلم يعودوا يرغبون في رؤية المرابط أو الأستاذ المغاير لهم في اللون المتمايز معهم في اللسان.
ولم يكن ذلك النفور والصدود ليرد قوافل الخير، فاستمر العطاء بهدوء وشيئا فشيئا بدأ صوت المعهد ينتشر ولسان الضاد يملأ الآفاق وبدأت الآصار والأغلال التي وضعتها سنوات التفرقة العنصرية تتساقط شيئا فشيئا، فإذا فرع المعهد في نواكشوط قبلة للمئات من أبناء غير الناطقين باللغة العربية والفئات الأقل حظا من التعليم التي ارتوت هي الأخرى من مظالم تاريخية طيلة حقب من الجهل والفقر، ثم لما ارتفعت منارة المعهد في بوكي وفاض رحيق الضاد إلى امبان حيث صدحت حناجر الطلاب في تلك البقاع التي كانت في قديم موطنا من مواطن اللغة العربية أيام الشيخ عبد القادر كان وتلاميذته وأيام الشيخين المختارين أحمد مختار ساخو وأحمد مختار آن، واستلم راية الاستعراب ونشر معارف القرآن في تلك الأرض المباركة جيل يقوده صديقنا الأستاذ المدرس الشيخ عمر باه، فكان نعم المدرس والأستاذ والمربي.
ثم نشأ بعد ذلك فرع المعهد في روصو، وهو اليوم من أنشط المؤسسات التعليمية في ولاية الترارزة، على مستوى أدائه التربوي وأنشطته اللاصفية.
ولقد تكامل في عمل المعهد مساران بالغا الأهمية هما مسار التعليم المحظري والتعليم النظامي وهما متداخلان في مجال تدريس القرآن الكريم وتحفيظه متباينان في الوسائل والأشكال التعليمية
ومجالات العمل في المعهد بالجملة يمكن أن تلخص في هذه المعالم الكبرى
أ- التعليم النظامي
ب- التعليم المحظري
ت- محو الأمية
ث- الوحدة المتخصصة
• التعليم النظامي : : ويبدأ من الابتدائية إلى مرحلة الثانوية وفق منهج معد سلفا ، يتخرج الطالب يحفظ القرآن وحاصل على الباكلوريا الأصلية أو مستواها.
يتمكن الطالب في الفصول النظامية من الحفظ الكامل للقرآن الكريم موزعا على المراحل الثلاث (مع عدد من المتون الفقهية واللغوية المعتمدة في المحاظر الموريتانية، إضافة إلى بقية المهارات والمعارف الضرورية.
• الوحدة المتخصصة للتعليم : وهي وحدة أكاديمية تقدم دروس التقوية والدروات التعليمية المتخصصة وفق منهج عصري، ويستفيد منها في الغالب الموظفون والطلاب الجامعيون والأجانب الراغبون في دراسة اللغة العربية في موريتانيا.
• التعليم الأصلي : يتوزع على نظامي المحظرة التقليدية والمراكز القرآنية المتخصصة
- المحاظر: تدرس في الغالب حسب الطريقة التقليدية مع بعض التطوير في طرق التدريس ووسائله.
- المراكز القرآنية هي مراكز متخصصة في تحفيظ القرآن الكريم وفق آليات حديثة مستفيدة من التجربة المحظرية المعروفة، وهذه تجربة ناشئة أقل من ثلاث سنوات، وقد حققت نجاحات معتبرة
- حلقات التحفيظ: وهي حلقات تقدم في المساجد والمدارس للراغبين ممن لا يستطيعون الالتحاق بالمحاظر أو المراكز بسبب السن أو الانشغال ، روادها من الكبار في الغالب ، يحفظ فيها جزء سنويا مع إتقان التجويد
• محو الأمية : محو الأمية: خاص بغير المتعلمين ويشمل محو الأمية الأبجدية وكذا الدينية يتخرج منه سنويا حوالي 300 فردا وأغلب المستفيدين منه من ربات الأسر والفتيات الريفيات والمسنين الأقل حظا من التعليم
• الأنشطة اللاصفية : وتشمل عددا من التخصصات الثقافية والتوعوية المهمة ومن أبرزها
- النفير الدعوي : هو نشاط دعوي وتعليمي يشمل رحلات من حين لآخر طيلة السنة ، ويتحول في الراحة الصيفية إلى نفير واسع يشمل في الغالب أكثر من 60 تجمع من المقرر أن يبقى فيها الداعية شهرا.
- المخيمات الصيفية: وهي مخيمات سنوية تختار لها تجمع في الداخل ، ويستقطب الكثير من شباب القرى المجاورة ، وفائدته كبيرة.
- المحاضن العلمية المستمرة: وهي تجربة حديثة استهدفت في البداية أئمة بعض القرى ، وفق برنامج محدد، ثم فيما بعد مجموعة نساء في بعض القرى.
- دورات الأئمة والمدرسين: دورات تتم سنويا تستهدف الأئمة في الفئات المستهدفة والمدرسين التابعين للمعهد.
- مناشط النادي الطلابي : وتشمل مختلف الأعمال الطلابية في الرسم والخطابة والإبداع الكتابي والفني، والإذاعة المدرسية والنشريات والمطويات والمجلات الحائطية التي يعدها الطلاب.
ويشرف على البرامج التعليمية والمناشط التربوية من حيث الإعداد والإشراف والمراجعة طاقم إداري متمرس إضافة إلى مجلس تربوي يضم خيرة المفتشين والأساتذة التربويين المتخصصين.
وما كانت هذه الجهود لتصل ما هي عليه الآن من انتشار وتمدد لولا عون الله سبحانه وتعالى وومض من الإخلاص رافق مسيرة هذا العمل وشيء من المؤسسية والتخطيط والعمل الجاد الذي رافق مسيرة المعهد ونرجو أن يظل حليفه مدى الأيام
وإن المعهد اليوم - بعد عشرين سنة من العطاء الذي بنته سواعد متعددة، منهم من لا يزال يواصل مسيرته ومنهم من قضى نحبه وانتقل إلى الرفيق الأعلى مشيعا بحسن السيرة وعبق الدعاء من إخوانه، ومنهم من نقلته سفن الحياة إلى مجالات أخرى- ليردد الشكر لله على ما أسدى من نعم وما سد من أبواب اليأس ومداخل الفشل، ثم ليشكر كل أولئك الأوفياء الذين رفعوا القواعد من بيت المعهد ومهدوا الطريق مدرسين وطلابا وموجهين وداعمين وممولين، إذ كل سعي أولئك كان سعيا مشكورا مذكورا في الأرض مرفوعا في حقائب التاريخ عملا خيريا خالدا وهو عند الله نحسبه كذلك عملا خالصا وللثواب قانصا
ولئن سالت بالقلم أودية بقدرها واحتملت الأسطر بعض ما قبل القلب من عبق الذكرى وأريج الوفاء للمسيرة، فإن من الخلاصات المهمة الإيراد أن
- مسيرة المعهد رغم ما أنجز محتاجة للتطوير في أشكالها ووسائلها وفي بعض مضامينها
- أن المعهد لا يزال محتاجا لاحتضان شعبي ورسمي في بلده موريتانيا أكثر مما يلقى الآن، فهو جهد شعب ومشروع أمة ولواء خفاق في مسيرة الوحدة الوطنية.
- أن مسيرة اللغة العربية في موريتانيا لا تزال تسمو صعدا وتحتاج فقط الثوب الناصع الذي تقدم من خلاله واللسان الفصيح الذي يقدمها دون لثغة من عنصرية أو جهة أو ارتهان لقوالب خدمت زمنا ضمن وسائله واشتراطاته المعرفية والواقعية، ثم قصرت بها يد القدرة التربوية عن خدمة أزمان أخرى
ولما آن أن أضع نقطة لسيل الذكرى هذا، ليس أن أن أنحو نحو ابن السبكي في دعائه حمدا لله على نعم يؤذن الحمد بازديادها وصلاة على رسوله هادئ الأمة لرشادها وضراعة إليه في منع الموانع عن إكمال مسيرة المعهد وتطويرها حتى تصل المبتغى وسدرة منتهى الإنجاز والتوفيق.